ابن خلدون

✍ المؤلف: هايكو📅 2026-01-13
0

ابن خلدون: مؤسس علم الاجتماع وفيلسوف التاريخ

يُعدّ عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، المعروف بـ ابن خلدون، واحدًا من أعظم المفكرين في التاريخ الإسلامي والإنساني. لم يكن مجرد مؤرخ يدوّن الأحداث، بل كان مفكرًا عميقًا حاول فهم قوانين قيام الدول وسقوطها، وتحليل المجتمع البشري بطريقة سبقت عصره بقرون، مما جعله يُلقّب بـ مؤسس علم الاجتماع.


نشأة ابن خلدون وحياته

وُلد ابن خلدون عام 1332م (732هـ) في مدينة تونس، في أسرة أندلسية عريقة اشتهرت بالعلم والسياسة. تلقّى تعليمه في العلوم الشرعية واللغوية، مثل الفقه، الحديث، النحو، والبلاغة، إضافة إلى الفلسفة والمنطق.

عاش ابن خلدون حياة مليئة بالتقلبات السياسية، حيث تنقّل بين تونس، فاس، غرناطة، بجاية، وتلمسان، وتقلّد مناصب سياسية وقضائية عديدة، من بينها منصب قاضي القضاة في مصر. هذه التجارب السياسية أثّرت بعمق في أفكاره ونظرته إلى السلطة والمجتمع.


المقدّمة: عمله الخالد

أشهر أعمال ابن خلدون هو كتاب "المقدمة"، الذي كتبه كمقدمة لكتابه الكبير "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر". لكن هذه المقدّمة تجاوزت كونها تمهيدًا تاريخيًا، لتصبح عملًا علميًا مستقلًا بذاته.

في "المقدمة"، وضع ابن خلدون أسسًا جديدة لفهم:

  • نشأة المجتمعات
  • طبيعة العمران البشري
  • العلاقة بين الاقتصاد والسياسة
  • تأثير البيئة والجغرافيا على الإنسان
  • أسباب قيام الدول وازدهارها ثم سقوطها

مفهوم العصبية عند ابن خلدون

من أهم أفكار ابن خلدون مفهوم العصبية، وهي الرابط الاجتماعي الذي يجمع أفراد الجماعة الواحدة، خاصة في المجتمعات القبلية. يرى ابن خلدون أن:

  • العصبية القوية تؤدي إلى قيام الدولة
  • ضعف العصبية يؤدي إلى انهيارها
  • الترف والفساد يضعفان العصبية بمرور الزمن

وبحسب تحليله، تمر الدول بخمس مراحل:

  1. النشأة
  2. القوة
  3. الازدهار
  4. الترف
  5. الانهيار

وهو تحليل ما زال يُستخدم لفهم التاريخ السياسي حتى اليوم.


ابن خلدون وعلم الاجتماع

قبل علماء الغرب مثل أوغست كونت بقرون، وضع ابن خلدون أسس ما نعرفه اليوم بـ علم الاجتماع. فقد:

  • درس الظواهر الاجتماعية بطريقة علمية
  • رفض الروايات التاريخية غير المنطقية
  • دعا إلى تحليل الأحداث بناءً على القوانين الاجتماعية والاقتصادية

ولهذا السبب، يعتبره كثير من الباحثين أول عالم اجتماع في التاريخ.


وفاته وإرثه العلمي

توفي ابن خلدون عام 1406م (808هـ) في القاهرة، بعد أن ترك إرثًا فكريًا عظيمًا لا يزال يُدرّس ويُناقش في الجامعات حول العالم.

وقد أثّرت أفكاره في:

  • علم الاجتماع
  • علم التاريخ
  • الفلسفة السياسية
  • الاقتصاد

وما زالت "المقدمة" تُعد من أهم الكتب الفكرية في تاريخ البشرية.


خاتمة

لم يكن ابن خلدون مجرد مؤرخ، بل كان عقلًا تحليليًا فذًا سبق عصره، ونجح في تقديم رؤية شاملة لفهم المجتمع والدولة والإنسان. وفي زمن تتكرر فيه دورات الصعود والانهيار، تظل أفكاره صالحة للفهم والتحليل، مما يؤكد عبقريته ومكانته الخالدة في تاريخ الفكر الإنساني.